
شفشاون أبعد من اللون الأزرق... مدينة الجبل واللقاءات
غالباً ما تُروى شفشاون من خلال لون واحد. أزرق جدرانها يعبر الشاشات، ويجذب المصورين، ويمنح المدينة صورة يمكن التعرف إليها فوراً. لكن اختزال «الشاون» في هذه الصورة يعني نسيان ما يمنحها عمقها الحقيقي: الجبال المحيطة بها، والماء النازل نحو رأس الماء، والذاكرة الأندلسية والجبلية، وحركات الحرفيين، والشعر، وغناء النساء، والحياة اليومية لمدينة صغيرة أصبحت مشهورة بعيداً عن حدود الريف.
للقاء شفشاون فعلاً، ينبغي أن نغيّر زاوية النظر قليلاً. لا نبحث فقط عن الزقاق الأكثر ملاءمة للصورة، بل نلاحظ باباً يفتح في الصباح، ونصغي إلى صوت المنسج، ونتحدث بهدوء مع تاجر، ونتبع مسار الماء، أو نتقاسم جولة مع سكان المدينة. عندها تتحول المدينة الزرقاء إلى مدينة إنسانية، تربط بين المدينة العتيقة والقرى والقمم والحكايات المتوارثة.
ما الذي يجعل شفشاون مميزة؟
تتميز شفشاون بحجم إنساني نادر. مدينتها العتيقة صغيرة بما يكفي لاكتشافها مشياً، لكن كل صعود يغير المشهد. ينتهي زقاق في ساحة صغيرة، ويكشف درج عن الجبال، ثم يعلن خرير الماء عن الاقتراب من رأس الماء. تبدو المدينة محمية بالتضاريس، وفي الوقت نفسه مفتوحة على شمال المغرب.
واللون الأزرق نفسه ليس واحداً. تتغير درجاته من واجهة إلى أخرى، ومع الفصول وعناية السكان وضوء النهار. يذكرنا هذا التنوع بحقيقة بسيطة: الجدران ليست ديكوراً ثابتاً، بل هي جزء من بيوت وورشات ومدارس ومحلات وأماكن عبادة. وراء كل صورة منشورة حياة خاصة وحي يواصل أداء وظائفه اليومية.
وتأتي خصوصية شفشاون أيضاً من موقعها بين المدينة والمجال القروي. منتجات السوق والعادات الغذائية والملابس والمنسوجات والحكايات تصل المدينة العتيقة بقبائل ومجتمعات جبالة في الإقليم. لذلك فإن فهم الشاون يقتضي النظر خارج أسوارها، والانتباه إلى التبادل المستمر بين المدينة والجبل.
الثقافة والتاريخ: مدينة وُلدت في جبال الريف
تأسست شفشاون سنة 1471 حول قصبة بناها مولاي علي بن راشد. وفي شمال مغربي كان يواجه التوسع البرتغالي على الساحل، أدّى الموقع في البداية وظيفة دفاعية. ثم استقرت في المدينة عائلات مسلمة ويهودية قدمت من الأندلس وشبه الجزيرة الإيبيرية إلى جانب سكان المنطقة، وساهم حضورها في تشكيل عمارة المدينة وحرفها وموسيقاها ومطبخها وثقافتها الحضرية.
تشكل القصبة، بأسوارها وحديقتها الداخلية ومتحفها الإثنوغرافي، نقطة مناسبة لبدء قراءة هذا التاريخ. لكنها لا تُفهم كقلعة منفصلة؛ إذ تكتسب معناها من علاقتها بـساحة وطاء الحمام والجامع الكبير والشوارع التجارية التي ما زالت تنظم قلب المدينة العتيقة.
وتقدم أحياء السويقة والخرازين والصبانين قراءة أخرى للمدينة. تكشف السقايات والأفران والمتاجر الصغيرة والممرات كيف نظمت المياه والحِرف وعلاقات الجوار الحياة الجماعية. وفي رأس الماء ينتقل الماء، رمزياً وواقعياً، من الجبل إلى المدينة. المكان مزدحم اليوم في فترات كثيرة، لكنه ما زال يحمل ذاكرة الاستعمالات المنزلية والحرفية المرتبطة بالمنبع.
وتعد شفشاون إحدى المجتمعات النموذجية المرتبطة بتسجيل النظام الغذائي المتوسطي ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو. ولا يتعلق الأمر بقائمة أطباق فقط، بل بمعارف ومواسم وزراعات وأسواق وطرق إعداد الطعام، وخصوصاً بفعل الأكل معاً. لذلك يمكن لحديث حول زيت الزيتون أو الخبز أو الخضر أو الجبن أو النباتات المحلية أن يروي تاريخ المنطقة بقدر ما يرويه معلم معماري.
المهرجانات والفعاليات: الاستماع إلى المدينة قبل تصويرها
تعبر شفشاون عن حياتها الثقافية عبر مواعيد تهتم بالموسيقى الأندلسية والحضرة الشفشاونية والشعر والمسرح والسينما والفنون التشكيلية والمنتجات المحلية وثقافة الجبل. يأخذ بعضها شكل مهرجانات، بينما تنظَّم أخرى على هيئة لقاءات أصغر تقيمها جمعيات أو مؤسسات أو مدارس أو فاعلون محليون.
تتغير الأسماء والتواريخ والبرامج من سنة إلى أخرى، ولذلك يُستحسن مراجعة الإعلانات الرسمية قبل التخطيط للسفر. يجنّب ذلك نشر معلومات انتهت صلاحيتها، ويساعد أيضاً على اكتشاف مبادرات صغيرة قد تتيح حواراً أعمق من العروض الكبرى.
وتستحق الحضرة الشفشاونية اهتماماً خاصاً. إنها تقليد موسيقي وروحي نسائي ينقل رصيداً من الأذكار والأشعار والإيقاعات المتجذرة في التاريخ الصوفي المحلي. وقد ساهمت الفرقة التي تقودها رحوم البقالي في التعريف بهذا التراث داخل المغرب وخارجه. الاستماع إليها يفتح لوناً آخر لشفشاون: ليس لون الجدران، بل لون الأصوات وانتقال المعرفة بين النساء.
يمكن للقاء ثقافي على منصة لقاء أن يبدأ قبل العرض: استماع جماعي إلى مقاطع مختارة، ثم تقديم سياقها، فجلسة نقاش بعد الحفل. وفي لقاء شعري، يختار كل مشارك نصاً ويشرح ما يسمعه فيه ويربط صوره بمشاهد المدينة.
أماكن تجعل اللقاء طبيعياً
أفضل نقاط التجمع في شفشاون غالباً ما تكون بسيطة وسهلة التعرف:
- ساحة وطاء الحمام، في قلب المدينة العتيقة، للقاء قبل الزيارة وملاحظة إيقاع الحياة اليومية؛
- القصبة وحديقتها، لمنح الجولة مدخلاً تاريخياً واضحاً؛
- حي السويقة وساحاته الصغيرة ومحلاته، لاكتشاف المدينة من منظور السكان؛
- ساحة الحوت الهادئة نسبياً، للاستراحة والحديث بعيداً عن أكثر المسارات ازدحاماً؛
- رأس الماء، لفهم العلاقة بين المنبع والاستعمالات اليومية والجبل؛
- ورشات ومحلات النسيج والجلد والخشب والتطريز، عندما يقبل أصحابها الزيارة ولا تعطل عملهم؛
- المقاهي والفضاءات الجمعوية، لتمديد الجولة بنقاش أو قراءة أو ورشة صغيرة؛
- المسارات المرتفعة حول المدينة، حين تكون المجموعة مستعدة وتحظى بالمرافقة المناسبة.
يحتاج التصوير هنا إلى انتباه خاص. فالباب الجميل ليس دعوة للدخول، والسكان ليسوا جزءاً من الديكور. الاستئذان، وتجنب المشاهد المصطنعة والمزعجة، وعدم إغلاق الأزقة، واحترام أوقات الصلاة والعمل، كلها أمور تجعل العلاقة بالمدينة أكثر إنسانية.
وقد يكون اللقاء الناجح بسيطاً جداً: أربعة أشخاص، ونقطة تجمع واضحة، وجولة من ساعة واحدة، وسؤال مشترك مثل: «أي صوت يروي شفشاون؟» أو «ماذا يعني السكن في مدينة تحولت إلى صورة عالمية؟» أو «كيف ينظم الماء المدينة العتيقة؟»
كتب وفنانون وشخصيات: الكلمات خلف الجدران
لشفشاون صوت شعري قوي. يعد عبد الكريم الطبال، المولود في المدينة، من الوجوه المهمة في الشعر المغربي المعاصر. تحضر في نصوصه الطبيعة والصمت والماء والحديقة والانتظار والعالم الداخلي للإنسان. قراءة قصيدة له قبل المشي في الشاون تغير النظرة؛ إذ لا يعود الجبل منظراً فقط، بل يصبح حضوراً.
وترتبط المدينة أيضاً بـسامية أقريو، الممثلة والكاتبة والمخرجة المغربية المولودة في شفشاون. يذكرنا مسارها في المسرح والسينما والتلفزيون بأن الثقافة الشفشاونية لا تقتصر على التراث القديم أو الصناعة التقليدية، بل تشارك في الإبداع المغربي المعاصر وفي تحويل القصص المحلية إلى أعمال تخاطب جمهوراً وطنياً.
ومع رحوم البقالي وفرقتها النسائية، تصبح عملية نقل التراث الموسيقي عملاً إبداعياً في حد ذاتها. يوضح هذا المشروع أن التقليد لا يبقى حياً إذا حُبس في الماضي، ولا إذا تحوّل إلى عرض سياحي فقط، وإنما حين يواصل الناس تعلمه وأداءه ومشاركته.
وتفتح الشخصيات التاريخية باباً آخر. يربط مولاي علي بن راشد، مؤسس المدينة، وابنته السيدة الحرة، التي ستؤدي لاحقاً دوراً سياسياً مهماً في تطوان، شفشاون بالتاريخ المعقد لشمال المغرب والبحر الأبيض المتوسط في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر.
لكن أكثر فناني المدينة عدداً لا يعرف الجمهور أسماءهم دائماً. إنهم النساجات والنجارون والمطرزات والرسامون والموسيقيون والحكواتيون الذين يحافظون يومياً على حس جمالي محلي. يستطيع بورتريه في مجلة لقاء أن يمنحهم الكلمة ليروي واحد منهم طريقة تعلمه، أو معنى نقش، أو أصل مادة، أو صعوبة اقتصادية، أو أثر السياحة في مهنته.
الرياضة والترفيه: السير مع الجبل لا ضده
تمثل شفشاون مدخلاً إلى مجال طبيعي استثنائي للمشي. يقدم المنتزه الوطني لتلاسمطان والمرتفعات المحيطة بالمدينة ومناطق أقشور وأزيلان وقلعة وجبل تسوكا مشاهد متنوعة من الغابات والصخور والمياه، تختلف تماماً عن عالم المدينة العتيقة.
لكن عبارة «قريب من شفشاون» لا تعني أن المكان نزهة حضرية سهلة. تحتاج بعض الخرجات إلى وسيلة نقل وساعات من المشي ولياقة مناسبة وماء وحذاء جيد ومعرفة بالمسار. وقد يتغير الطقس، كما أن مستوى التشوير ليس واحداً في كل الطرق. في أول جولة أو مع مجموعة متفاوتة الخبرة، تكون الاستعانة بدليل محلي معتمد خطوة احتياطية وفرصة لفهم البيئة بشكل أفضل.
داخل المدينة يمكن للترفيه أن يكون أخف: جولة صباحية إلى رأس الماء، أو مسار تصوير محترم، أو اكتشاف السقايات، أو جلسة رسم، أو لقاء حول النباتات المحلية، أو مباراة كرة قدم بين الأصدقاء، أو مشي عند الغروب نحو نقطة مشاهدة يسهل الوصول إليها.
يجب أن يوضح نشاط لقاء مسبقاً المدة والارتفاع ومستوى الصعوبة وعدد المشاركين والنقل والمعدات وشروط الإلغاء. فالطبيعة ليست فضاءً بلا قواعد: نحمل نفاياتنا معنا، ونخفّض الضجيج، ونحترم المزروعات، ولا نسبح في مكان خطِر لمجرد أن صورة على الإنترنت بدت مطمئنة.
نصائح عملية لاكتشاف شفشاون
- أقم ليلة واحدة على الأقل إن أمكن. يكشف الصباح ونهاية اليوم مدينة أهدأ من ساعات وصول الرحلات اليومية.
- سافر بأمتعة خفيفة. في المدينة العتيقة سلالم ومنحدرات وأزقة تصبح فيها الحقيبة الكبيرة عبئاً.
- اختر باباً معروفاً أو ساحة أو القصبة كنقطة تجمع. لون واجهة وحده ليس عنواناً دقيقاً.
- ارتد حذاء مناسباً. قد تكون الأزقة غير مستوية وزلقة بعد المطر.
- استأذن قبل التصوير. احترم السكان والأطفال والحرفيين والفضاءات الخاصة.
- تحقق من المواعيد والبرامج. قد تغير المتاحف والفضاءات الثقافية والفعاليات شروط الولوج.
- احتفظ ببعض النقود. لا تتوفر وسائل الأداء الإلكتروني دائماً في المتاجر الصغيرة ووسائل النقل وبعض الخدمات.
- افصل بين المدينة العتيقة ورأس الماء والرحلات الجبلية. تحتاج أقشور وتلاسمطان إلى تنظيم مستقل.
- تابع توقعات الطقس. قد يكون الجبل بارداً أو ممطراً أو مغطى بالضباب حتى حين تكون مدن مغربية أخرى دافئة.
- اشتر بوعي. اسأل عن أصل المنتوج ومادته ومدة صنعه بدلاً من افتراض أن كل ما يباع مصنوع محلياً.
- احترم الإيقاع المحلي. شفشاون مدينة للسكن والعبادة والتجارة، وليست استوديو تصوير مفتوحاً طوال الوقت.
واصل اكتشاف شفشاون على لقاء
يمكن لهذا المقال أن يكون بداية مجموعة محتوى «شفشاون» تصل المدينة بسكانها ومجالها الطبيعي. وحسب المحتوى المنشور فعلاً على المنصة، يستطيع لقاء تقديم:
- فعاليات مثل جولة «أبعد من الأزرق»، أو زيارة القصبة، أو لقاء مع حرفي، أو قراءة شعرية، أو مسار جبلي بمرافقة مناسبة؛
- مجموعات حول ثقافة الريف، وسكان شفشاون وأصدقائها، والمشي المسؤول، والتصوير المحترم، والشعر المغربي، والصناعة التقليدية؛
- بودكاستات عن عبد الكريم الطبال وشعر الشاون، وأصوات الحضرة الشفشاونية، وماء رأس الماء وذاكرته، والنساء الحرفيات، ومستقبل السياحة المحلية؛
- مجموعة «شفشاون» التي تجمع المقالات والبورتريهات والبودكاستات والفعاليات والمجموعات والمسارات في صفحة موضوعية واحدة؛
- مجموعات مرتبطة مثل شمال المغرب، والريف، والمدن الجبلية، والتراث الحي، والصناعة التقليدية، والمطبخ المتوسطي، والمشي؛
- بورتريهات محلية لنساجة أو دليل أو بائع كتب أو موسيقي أو جمعية حي أو شاب يحمل مشروعاً جديداً.
ينبغي أن تأتي بطاقات الفعاليات والمجموعات من البيانات المتوفرة فعلاً على لقاء. وإذا لم يكن هناك نشاط مبرمج، يمكن دعوة القارئ إلى اقتراح لقاء صغير ودقيق بدلاً من تجمع غامض: ستة أشخاص مثلاً لقراءة قصيدة والمشي إلى رأس الماء، أو ورشة مع حرفي وافق على الصيغة وحدد شروطها.
مدينة تستعيد كل ألوانها
منح اللون الأزرق شفشاون شهرة استثنائية. يمكن أن يكون باباً للدخول، لكنه لا ينبغي أن يصبح حجاباً. خلف الواجهات مدينة تأسست في زمن تحولات متوسطية كبرى، وثقافة مرتبطة بجبالة والريف، ونساء ينقلن الغناء، وحرفيون يكيفون مهاراتهم، وشعراء يصغون إلى الماء، وسكان يعيدون كل يوم تنظيم علاقتهم بالسياحة.
اكتشاف شفشاون عبر اللقاءات يعني إعادة جميع ألوانها إليها. إنه انتقال من الصورة إلى الإصغاء، ومن الزقاق إلى تاريخه، ومن الجبل إلى الاحترام الذي يفرضه. فالمدينة لا تصبح قريبة حقاً إلا عندما تتوقف عن كونها ديكوراً وتبدأ في التحول إلى حوار.