
المغرب والتحول الرقمي: فرص وتحديات ومسؤولية
يعيش المغرب اليوم في عالم رقمي إلى حد بعيد. نتبادل الرسائل في ثوانٍ، ونتابع الأخبار عبر هواتفنا، ونشتري بعض المنتجات، ونستخدم الخرائط، ونشاهد الدروس، وننجز بعض الإجراءات من دون التنقل. وفي المقاهي والجامعات والمقاولات والبيوت، أصبح الهاتف الذكي جزءاً من الحياة اليومية.
لكن استعمال واتساب أو فيسبوك أو إنستغرام أو تيك توك أو يوتيوب لساعات كل يوم لا يعني بالضرورة امتلاك مهارات رقمية حقيقية. فقد يكون الإنسان حاضراً باستمرار على الإنترنت، لكنه لا يعرف كيف يحمي بياناته، أو يتحقق من معلومة، أو يملأ استمارة بطريقة صحيحة، أو ينجز وثيقة مهنية، أو ينظم مشروعاً جماعياً، أو يفهم طريقة عمل الذكاء الاصطناعي.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي حول التحول الرقمي: هل نريد فقط استهلاك محتويات وخدمات يصممها الآخرون، أم نريد أيضاً أن نفهم ونبدع ونشارك في اتخاذ القرار؟
تحول بدأ بالفعل
لم تعد الرقمنة قطاعاً معزولاً يخص المتخصصين في المعلوميات فقط. فهي تغيّر الإدارة والمدرسة والصحة والتجارة والفلاحة والسياحة والثقافة، كما تغيّر طريقة تواصل المواطنين مع المؤسسات.
تضع الاستراتيجية الوطنية المغرب الرقمي 2030 الخدمات العمومية الرقمية، والاقتصاد الرقمي، والكفاءات، والمقاولات الناشئة، والابتكار ضمن أولويات البلاد. وتبيّن بوابات مثل «إدارتي» و«شكاية» وبوابة التشغيل العمومي كيف يمكن جعل بعض المعلومات والإجراءات أكثر سهولة. كما أُعلن سنة 2025 عن اتفاق مؤسساتي لتطوير الإدارة الإلكترونية وتوسيع الاستخدام الآمن للهوية الرقمية.
وحسب بيانات البنك الدولي، بلغت نسبة الأفراد الذين يستخدمون الإنترنت في المغرب 91 في المائة سنة 2024. ويعكس هذا الرقم انتشاراً واسعاً للاتصال، لكنه لا يعني أن الجميع يتوفر على جهاز مناسب، أو اتصال مستقر، أو مهارات كافية، أو ثقة تمكّنه من إنجاز إجراء مهم عبر الإنترنت.
لذلك لا ينبغي قياس نجاح التحول الرقمي بعدد الهواتف أو الاشتراكات أو التطبيقات المتاحة فقط. بل يجب قياسه بأثره في الحياة اليومية: وقت أقل ضياعاً، وخدمات أبسط، وفرص أفضل للتعلم والعمل، وشفافية أكبر، ومشاركة أوسع.
ماذا يمكن للرقمنة أن تغيّر في حياة الناس؟
بالنسبة إلى المواطن، يمكن لإدارة رقمية حقيقية أن تقلل التنقل والانتظار وتكرار تقديم الوثائق نفسها. ويمكنها أن تساعده على فهم المسطرة قبل البدء فيها، وعلى متابعة طلبه بوضوح.
وبالنسبة إلى الطالب، يفتح الإنترنت باباً إلى الدروس والكتب والمجتمعات التعليمية والأدوات التي كانت في الماضي متاحة لفئة محدودة. ويمكن لشاب أو شابة في مدينة صغيرة تعلم لغة أو برمجة أو تصميم أو محاسبة أو تسويق، بشرط معرفة كيفية اختيار المصادر وبناء مسار تعليمي منظم.
أما الجمعية، فيمكن للأدوات الرقمية أن تساعدها على التواصل، وتسجيل المشاركين، وتنسيق المتطوعين، وجمع التبرعات، وتوثيق الأنشطة. وقد تصبح مبادرة صغيرة معروفة خارج حيها وتلتقي بشركاء يتقاسمون معها القيم نفسها.
وبالنسبة إلى الحرفي أو المرشد أو التعاونية أو المقاولة الصغيرة، يمكن لحضور رقمي واضح أن يزيد الظهور ويبني الثقة ويقلل الاعتماد على صفحة اجتماعية أو رقم هاتف فقط. فأحياناً تكون بطاقة معلومات دقيقة، وموقع خفيف، ومكان محدد بشكل صحيح، ومواعيد محيّنة أكثر فائدة من حملة تسويقية معقدة.
وعلى مستوى المغرب، يمكن للأدوات الرقمية أن تساهم في إبراز الجهات والتراث والمعارف والمبادرات المحلية. كما يمكنها أن تربط خبرات مغاربة العالم بحاجات مدرسة أو جمعية أو حامل مشروع داخل البلاد.
الاتصال بالإنترنت لا يكفي
لا تفصل الفجوة الرقمية فقط بين من يتصل بالإنترنت ومن لا يتصل به. إنها تظهر أيضاً بين من يوظف الأدوات الرقمية للتقدم، ومن يستهلكها بصورة سلبية أو يجد نفسه عاجزاً أمامها.
وقد تتراكم عدة أشكال من عدم المساواة:
- توفر هاتف من دون حاسوب مناسب للدراسة أو الإنتاج؛
- توفر الإنترنت المحمول، لكن بكلفة مرتفعة أو جودة غير مستقرة؛
- وجود خدمة إلكترونية، لكن بواجهة معقدة؛
- توفر محتوى جيد، لكن بلغة لا يتقنها المستخدم؛
- امتلاك شهادة، مع نقص في الممارسة بالأدوات الحديثة؛
- وجود حافز قوي للتعلم، لكن من دون مؤطر أو مرشد أو مجموعة داعمة.
قد يعرف شخص كيف يشاهد مقطعاً أو ينشر صورة، لكنه لا يعرف كيف يرسل ملفاً كاملاً عبر البريد الإلكتروني، أو يكتشف محاولة احتيال، أو ينشئ نسخة احتياطية من بياناته. لا ينبغي الحكم عليه أو وصفه بأنه متأخر، بل يجب توفير شرح مبسط، وأماكن للتعلم، وفرص للتجربة.
التعليم في قلب التحول
إنشاء المنصات وتوفير المعدات أمران مهمان، لكنهما لا يصنعان وحدهما ثقافة رقمية. نحن بحاجة إلى تعلم البحث والمقارنة والإنتاج والتعاون وحل المشكلات.
ولا ينبغي حصر التربية الرقمية في المدرسة أو في الشباب. يمكن لتاجر أن يتعلم إدارة معلوماته بصورة أفضل. ويمكن لجمعية أن تتعلم حماية بيانات أعضائها. ويمكن للأبوين فهم استعمال أبنائهما للتكنولوجيا. ويمكن للمدرس إنتاج موارد جديدة، ولشخص يريد تغيير مساره المهني اكتساب مهارات تقنية بالتدريج.
كما يجب التمييز بين التعلم الحقيقي وتجميع مقاطع الفيديو. مشاهدة عشرة دروس لا تعني بالضرورة القدرة على إنجاز مهمة. يحدث التقدم عندما يجرّب المتعلم، ويخطئ، ويطرح الأسئلة، ويصحح عمله، ويبني شيئاً ملموساً.
لهذا تظل المقالات والفيديوهات والدورات عبر الإنترنت أدوات ثمينة، لكنها تصبح أكثر فاعلية عندما ترتبط بتمارين ومشاريع ولقاءات بشرية.
الذكاء الاصطناعي: فرصة تحتاج إلى وعي
يسرّع الذكاء الاصطناعي هذا التحول. فهو يستطيع الترجمة والشرح والتلخيص والمساعدة على الكتابة وإنشاء أجزاء من البرامج واقتراح بنية أولية لمشروع. وبذلك يخفض بعض الحواجز التقنية ويفتح مجال التجربة أمام عدد أكبر من الناس.
لكنه يخلق أيضاً وهماً خطيراً: إمكان العمل من دون فهم. فقد تكون الإجابة واضحة لكنها خاطئة، وقد يحتوي النص المقنع على معلومات مختلقة، وقد يعمل البرنامج في عرض بسيط بينما يعرّض بيانات حساسة للخطر، وقد تخدعنا صورة شديدة الواقعية.
لذلك لا تكمن المهارة الأساسية في معرفة كيفية طرح سؤال على أداة ذكاء اصطناعي فقط، بل في القدرة على:
- تحديد المشكلة بدقة؛
- التحقق من المعلومات والمصادر؛
- حماية البيانات الشخصية والمهنية؛
- معرفة حدود النتيجة المقترحة؛
- اختبار ما تم إنتاجه وتصحيحه؛
- تحمل مسؤولية القرار النهائي.
لا يقلل الذكاء الاصطناعي من قيمة التعلم، بل يجعل الفهم والتفكير النقدي والمسؤولية أكثر أهمية.
أن نُنتج، لا أن نستهلك فقط
يصبح المجتمع رقمياً بالفعل عندما ينتج حلوله ومحتواه ومعرفته. وهذا لا يعني أن على الجميع أن يصبحوا مهندسي برمجيات، بل أن يتمكن كل شخص من اختيار دوره: مستخدم واعٍ، أو مبدع، أو مدرس، أو مقاول، أو مطور، أو متطوع، أو باحث، أو مواطن فاعل.
يمتلك المغرب شباباً مبدعاً، وجامعات، ومهندسين ذوي خبرة، ومقاولين، وجمعيات، وجالية غنية بالكفاءات. ويتمثل التحدي في بناء جسور أكثر بين هؤلاء.
يمكن لمطور يعيش في الخارج أن يشارك خبرته مع مجموعة صغيرة في المغرب. ويمكن لطالبة أن تقدم ورشة تمهيدية داخل جمعيتها. ويمكن لمدرسة أن تفتح قاعة في نهاية الأسبوع. ويمكن لمهني تحويل جزء من خبرته إلى تدريب عملي. ويمكن لمبادرة محلية توثيق حل حتى تستفيد منه مدن أخرى.
عندئذ تكتسب التكنولوجيا معنى مختلفاً: فهي لا تساعدنا فقط على متابعة ما يحدث في مكان آخر، بل تمكّننا من الفعل هنا.
المسؤولية مشتركة
على الدولة أن تقدم خدمات بسيطة ومترابطة وآمنة ومتاحة للجميع. ولا ينبغي للإجراء الرقمي أن ينقل تعقيد الإدارة إلى المواطن أو يقصي من يحتاج إلى المساعدة.
وعلى الشركات حماية البيانات وشرح ممارساتها وعدم التعامل مع المستخدم كمنتج. وعلى المدارس والجامعات ربط المعارف الأساسية بالممارسة المعاصرة. كما تتحمل وسائل الإعلام مسؤولية تبسيط المواضيع التقنية من دون تضخيم كل أداة جديدة.
ويتحمل المصممون والمطورون بدورهم مسؤولية مهمة. فالتطبيق لا يصبح جيداً لمجرد اعتماده تقنية حديثة. يجب أن يحل مشكلة حقيقية، وأن يعمل على أجهزة متوسطة أو محدودة الإمكانات، وأن يحترم لغات المستخدمين، وأن يستهلك أقل قدر ممكن من البيانات، وأن يبقى مفهوماً.
وأخيراً، يستطيع كل مواطن اتخاذ خطوات صغيرة: حماية حساباته، والتحقق قبل مشاركة الأخبار، وتعلم مهارة جديدة، ومساعدة شخص آخر. فالتحول الرقمي ليس سياسة وطنية فقط، بل هو أيضاً آلاف القرارات والتجارب التعليمية اليومية.
تحول رقمي مغربي وشامل
لا يحتاج المغرب إلى نسخ نموذج خارجي بصورة عمياء. يجب أن يراعي تحوله الرقمي واقعه الخاص: التنوع اللغوي، والفوارق بين الجهات، وأهمية البنيات الصغيرة، وحجم الاقتصاد غير المهيكل، وغنى العمل الجمعوي، وصلات البلاد بمغاربة العالم.
يجب أن تكون الخدمة المغربية الحقيقية قابلة للاستعمال من طرف أشخاص ذوي مسارات مختلفة. وينبغي تصميمها بالعربية والفرنسية، وبالأمازيغية كلما كان ذلك مناسباً، مع تجنب المصطلحات المعقدة وتوفير المرافقة البشرية عندما لا تكفي الوسائل الرقمية وحدها.
ولا ينبغي أن يكون الإدماج إضافة متأخرة بعد تطوير المنتج. بل يجب أن يكون حاضراً منذ البداية: عند اختيار المشكلة، وفي التصميم، واللغات، والاختبارات، وطريقة مساعدة المستخدمين.
من المعرفة إلى العمل: دور Liqae WAC
في هذا السياق يأتي مشروع Liqae WAC — Workshops & Academy.
لا يهدف المشروع إلى إضافة منصة فيديو جديدة إلى إنترنت يحتوي أصلاً على ملايين المقاطع. بل يسعى إلى ربط مراحل تبقى غالباً منفصلة: فهم موضوع عبر مقال، ومشاهدة تطبيقه في فيديو، وتجربته في تمرين، ثم لقاء أشخاص آخرين داخل ورشة حضورية أو تفاعلية.
يمكن لمقال أن يشرح كيفية عمل الويب، ولدليل عملي أن يساعد القارئ على إنشاء صفحته الأولى، ولفيديو أن يعرض المراحل، ثم تجمع ورشة WAC المشاركين والمؤطر ومكاناً مناسباً حول مشروع صغير وملموس.
ويمكن تطبيق المنهج نفسه على مواضيع أخرى: استخدام الأدوات الرقمية في الجمعيات، وحماية البيانات، وفهم الذكاء الاصطناعي، وزيادة ظهور مبادرة صغيرة، أو تعلم البرمجة.
تقوم WAC على فكرة بسيطة: تزداد قيمة المعرفة عندما تنتقل بين الناس وتتحول إلى عمل مشترك.
يجب أن يبقى التقدم الرقمي تقدماً إنسانياً
يمتلك المغرب مؤهلات كثيرة لإنجاح تحوله الرقمي. فقد انتشر الاتصال بالإنترنت، والكفاءات موجودة، والمبادرات تتزايد، والأدوات أصبحت أكثر سهولة.
لكن النجاح لن يقاس فقط بعدد المنصات أو المقاولات الناشئة أو الإجراءات المنشورة عبر الإنترنت. سيظهر النجاح الحقيقي عندما يصبح عدد أكبر من الناس قادراً على فهم الأدوات، وممارسة حقوقه، والتعلم، والعمل، والإبداع، والمشاركة في الحياة الجماعية.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: «إلى أي مدى يمكن أن تصل التكنولوجيا؟»
بل يجب أن نسأل: «أي مستقبل نريد أن نبنيه بواسطتها؟ ولمن؟ وبأي مسؤولية؟»
لقد بدأ التحول الرقمي بالفعل. ومسؤوليتنا أن نجعله وسيلة لتقريب الناس، وتنمية القدرات، وعدم ترك أي شخص على الهامش.
للقراءة لاحقاً
- المقال التالي: التحول الرقمي لا يقتصر على شبكات التواصل الاجتماعي
- قريباً: ما هو Liqae WAC؟
- السلسلة المقبلة: Liqae Code & AI — افهم، ابنِ، تحقّق
مصادر للاستزادة
- وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة: https://www.mmsp.gov.ma/fr
- الاتفاق الإطار المتعلق بالإدارة الإلكترونية والهوية الرقمية، 2 مايو 2025: https://www.mmsp.gov.ma/fr/actualites/accord-cadre-de-partenariat-pour-le-developpement-de-l-e-gouvernement-et-la-generalisation-de-l-usage-de-l-identite-numerique
- بيانات البنك الدولي حول المغرب: https://data.worldbank.org/country/morocco
- البنك الدولي، برنامج تسريع التحول الرقمي في المغرب، 2026: https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/099052626171076932