discover-morocco
المدينة العتيقة لمراكش وأسوارها الحمراء

مراكش... المدينة الحمراء التي نكتشفها من خلال اللقاءات

تحديث:

غالباً ما تُروى مراكش من خلال ألوانها: حمرة الأسوار، وخضرة الحدائق، وأقمشة الأسواق، وضوء الشمس على جبال الأطلس. لكن المدينة ليست لوحة ألوان ولا لائحة من المعالم الشهيرة. لفهمها، ينبغي أن نصغي إلى حكواتي، ونشاهد حرفياً أثناء العمل، ونتقاسم مقعداً في الظل، ونتحدث عن كرة القدم في مقهى، أو نسير مع أحد السكان من حي إلى آخر.

ربما تمنحنا ساحة جامع الفنا أفضل مفتاح لقراءة المدينة. فهي تتغير مع مرور الساعات، ولا تكتمل إلا بحضور الناس. لا نأتي إليها للمشاهدة فقط؛ بل للاستماع، وتذوق الطعام، وإيجاد مكان وسط الحركة، وربما بدء حديث عابر. هذه هي مراكش التي تريد مجلة لقاء روايتها: مدينة تصبح أوضح حين تتحول الزيارة فيها إلى لقاء.

ما الذي يجعل مراكش مميزة؟

تعيش مراكش أزمنة متعددة في اللحظة نفسها. تحتفظ المدينة العتيقة بنسيج عمراني تشكل طوال ما يقارب ألف سنة. ويحكي حي كيليز مرحلة التوسع الحديث. أما سيدي غانم فيجمع الورشات والتصميم والإنتاج. وبين الأحياء الشعبية والفضاءات الثقافية الجديدة والحدائق، يتحرك السكان والعمال والطلبة والفنانون والزوار بين عوالم متجاورة لا يعرف بعضها بعضاً دائماً.

وتأتي خصوصية مراكش أيضاً من موقعها عند سفح الأطلس الكبير وقرب سهول الحوز. فهي مدينة إمبراطورية قديمة، ومركز للتجارة، ووجهة دولية كبيرة، وفي الوقت نفسه مجال يومي لعدد كبير من السكان. ينتج هذا الانفتاح طاقة استثنائية، لكنه يكشف أيضاً عن تناقضات: بين هدوء فناء داخلي وضجيج زقاق مزدحم، وبين اقتصاد السياحة وحاجات الحياة اليومية، وبين تراث متوارث وإبداع معاصر.

لذلك يتطلب اكتشاف مراكش بانتباه ألا نخلط بين المشهد والحقيقة. خلف باب مزخرف قد يوجد بيت أو ورشة أو مدرسة. وخلف قطعة تباع في السوق مادة أولية وحركة يد وسلسلة عمل وربما أكثر من حرفة. تصبح المدينة أكثر إثارة حين نسأل: من يصنع؟ من يروي؟ من يسكن؟ وكيف يتغير هذا المكان؟

الثقافة والتاريخ: مدينة تأسست لتشع

أسس المرابطون مراكش في القرن الحادي عشر، وظلت زمناً طويلاً مركزاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً مهماً. وقد اتسع إشعاع اسمها حتى ساهم في تسمية المغرب في عدد من اللغات. وترك المرابطون والموحدون والسعديون والعلويون آثارهم في المدينة، كما أغنى التجار والعلماء والحرفيون والرحالة هويتها.

صُنفت المدينة العتيقة لمراكش ضمن التراث العالمي لليونسكو سنة 1985. وتضم الأسوار والكتبية وقبور السعديين والأبواب التاريخية والمدارس والقصور والحدائق وشبكة واسعة من الأسواق والأحياء. غير أن قيمتها لا تختزل في المباني الكبرى؛ فهي حاضرة أيضاً في استمرار الحياة داخلها: أفران الأحياء، والفنادق التقليدية، والساحات الصغيرة، والدكاكين، وأماكن العبادة، والورشات.

وتحتل ساحة جامع الفنا مكانة خاصة. فقد اعترفت اليونسكو بفضائها الثقافي تراثاً ثقافياً غير مادي. صنع الحكواتيون والموسيقيون والفنانون والباعة والجمهور مسرحاً شعبياً يتجدد كل يوم. يظل هذا التراث حياً لأنه يُمارس، ولذلك يستحق الفضول والاحترام معاً: أن نصغي فعلاً، وأن نؤدي مقابلاً حين تكون هناك خدمة أو فرجة، وأن نستأذن دائماً قبل التصوير.

ولفهم أعمق للتاريخ، يفتح متحف الروافد دار الباشا أبواب منزل فخم ومعارض تتناول التبادل بين الثقافات. ويبرز المتحف الوطني للنسيج والزرابي دار سي سعيد المواد والتقنيات والمعارف الحرفية. أما متحف التراث اللامادي جامع الفنا فيساعد على اكتشاف الذاكرة الإنسانية للساحة، بعيداً عن صورتها السياحية السريعة.

المهرجانات والفعاليات: المدينة تتحول إلى خشبة

تستقبل مراكش تظاهرات تجذب جمهوراً مغربياً ودولياً. ويحول المهرجان الدولي للفيلم بمراكش المدينة إلى فضاء للسينما والتكوين والنقاش. تمنح العروض واللقاءات والورشات فرصة لاكتشاف أعمال من المغرب وإفريقيا والعالم، ثم تمديد التجربة بحوار جماعي.

ويحتفي المهرجان الوطني للفنون الشعبية بأشكال موسيقية ورقصات وملابس قادمة من مناطق مختلفة من البلاد. إنه يذكرنا بأن مراكش لا تحمل تقاليدها المحلية وحدها، بل تشكل أيضاً منصة يقدم فيها المغرب تنوع تراثه الحي.

وتكمل المعارض ولقاءات الكتاب والحفلات والعروض ومواعيد التصميم والتظاهرات الرياضية برنامج المدينة بحسب الفصول. وقد تتغير التواريخ والأماكن وشروط الدخول من دورة إلى أخرى، لذلك ينبغي الرجوع إلى القنوات الرسمية للمنظمين قبل نشر نشاط أو الالتحاق به.

يمكن للمهرجان على لقاء أن يصبح أكثر من تذكرة دخول: تجتمع مجموعة صغيرة قبل عرض سينمائي، ويقدم أحد المشاركين العمل، ثم يتبادل الجميع انطباعاتهم بعده. وقد تنتهي زيارة معرض بحوار مع فنان أو وسيط ثقافي. تمنح الفعالية الإطار، لكن اللقاء هو الذي يصنع الذكرى.

أماكن تجعل اللقاء طبيعياً

تمنح مراكش نقاط انطلاق كثيرة، شرط اختيار المكان والوقت بعناية:

  • جامع الفنا، في الصباح الباكر لمتابعة بداية الحركة أو قرب المساء لمشاهدة تحول الساحة؛
  • الأسواق والفنادق التقليدية، لفهم الحرف والمواد ومسارات التجارة؛
  • ساحة القصديرية والملاح، للمشي بين الذاكرة والصناعة التقليدية وحياة الحي؛
  • حدائق المنارة والسايبر بارك والحدائق العمومية، لنزهة وحديث بعيداً عن ازدحام المرور؛
  • كيليز، بمكتباته ومقاهيه وأروقته وفضاءاته الثقافية، للتعرف إلى مراكش المعاصرة؛
  • سيدي غانم، حيث تفتح الورشات وأماكن المصممين نقاشاً حول الإنتاج والتصميم والأشكال الجديدة للصناعة التقليدية؛
  • المتاحف والبيوت الثقافية، لأنها تمنح المجموعة موضوعاً مشتركاً قبل بداية الحديث.

ليست كل الأماكن مناسبة لكل اللقاءات. يصعب إجراء نقاش طويل في ممر مزدحم داخل السوق، وقد تعرقل مجموعة كبيرة حركة السكان أو عمل حرفي. عند تنظيم نشاط على لقاء، من الأفضل تحديد عدد المشاركين، واختيار نقطة تجمع واضحة، وتوفير مكان هادئ للنقاش في نهاية الجولة.

كتب وفنانون وشخصيات: مراكش مصدراً للإبداع

ألهمت مراكش كتاباً من آفاق مختلفة، لكن من الضروري أن تُروى أيضاً عبر أصوات تعرف واقعها. يجمع ماحي بينبين، المولود في المدينة، بين الأدب والرسم والعمل الاجتماعي. تستكشف رواياته المصائر الفردية والهامش والكرامة وتناقضات المجتمع المغربي. ويمكن أن يشكل مساره بداية ممتازة لحلقة قراءة حول أثر المدينة في شخصيات الرواية.

ويعد الفنان فريد بلكاهية، المولود هو الآخر في مراكش، من أبرز أسماء الحداثة التشكيلية المغربية. فتح اشتغاله على النحاس والجلد والأصباغ الطبيعية والرموز والذاكرة طريقاً متجذراً في المواد والموروث المحلي ومنفتحاً على العالم. ويساعد الحوار حول أعماله على تجاوز التقابل المبسط بين التقليد والحداثة.

وترتبط المدينة أيضاً بالكاتب الإسباني خوان غويتيسولو، الذي عاش فيها سنوات طويلة ودافع عن التراث الشفهي لجامع الفنا. يظل منظوره رؤية كاتب جاء من الخارج، ولذلك يمكن قراءته بجانب أصوات مغربية ومقارنة طرق تمثيل المدينة. ويقدم كتاب أصوات مراكش لإلياس كانيتي نظرة خارجية أخرى، تاريخية وشخصية، ينبغي وضعها في سياقها لا اعتمادها صورة نهائية للمدينة.

لعل أجمل مسار أدبي هو المسار المتعدد: نص مغربي معاصر، ورحلة قديمة، وعمل بصري، ثم كلام شخص يعيش هنا. عندها لا تبدو مراكش غريبة أو جامدة، بل فضاء يُناقش ويُبدع ويُعاد تشكيله باستمرار.

الرياضة والترفيه: نتحرك ونلتقي

تمنح كرة القدم لغة مشتركة في الأحياء والمقاهي والملاعب. وينتمي نادي الكوكب الرياضي المراكشي، المعروف اختصاراً بالكوكب، إلى الذاكرة الرياضية للمدينة. متابعة مباراة، أو جمع ذكريات مشجعين من أجيال مختلفة، أو تنظيم دوري صغير للهواة، كلها طرق لرواية مراكش بعيداً عن السياحة.

وتناسب المدينة أيضاً المشي في الصباح، وركوب الدراجة في المسارات الملائمة، والجري قرب المنارة، والرياضات الجماعية والأنشطة داخل الأحياء. وتفتح النواحي تجارب أخرى، مثل التنزه في الأطلس، واكتشاف القرى، أو الخروج إلى منطقة الحوز. غير أن هذه الرحلات تتطلب تنظيماً جدياً ومرافقاً محلياً متمرساً، مع التحقق من الطقس والانتباه إلى أثر الزيارة على السكان والموارد.

وقد تغير حرارة مراكش طبيعة أي نشاط بالكامل. في الفترات الحارة تكون اللقاءات الرياضية والجولات أكثر راحة في الصباح الباكر أو بعد انخفاض الشمس. وعلى المنظم توضيح المستوى والمدة وكمية الماء المطلوبة والمصاريف المحتملة والخطة البديلة.

نصائح عملية لاكتشاف مراكش

  • خفف البرنامج. لقاءان جيدان أفضل من يوم كامل نقضيه في الركض بين عشرة أماكن.
  • اختر نقطة تجمع ظاهرة. باب معروف أو متحف أو مقهى محدد بوضوح أسهل من عنوان معقد داخل المدينة العتيقة.
  • راع الحرارة. خطط للماء والاستراحة والحماية من الشمس والتوقيت المناسب.
  • استأذن قبل التصوير. الإنسان والحرفي والفنان ليسوا جزءاً من الديكور.
  • اتفق على الثمن قبل الخدمة. الدليل والنقل والفرجة والشراء: الوضوح يمنع سوء الفهم.
  • اختر مرشدين ومهنيين معروفين للزيارات المتخصصة والرحلات خارج المدينة.
  • احترم فضاءات السكن والعبادة. المدينة العتيقة مأهولة، وبعض الأبواب والممرات خاصة.
  • ادعم العمل المحلي بوعي. اسأل عن طريقة الصنع، وحاول التعامل مباشرة وبثمن عادل كلما أمكن.
  • تحقق من المواعيد والبرامج. قد تغير المتاحف والتظاهرات أوقات وشروط الدخول.
  • خطط للتنقل. قد تكون المسافة بين المدينة العتيقة وكيليز وسيدي غانم والنواحي أكبر مما تبدو على الخريطة.

واصل اكتشاف مراكش على لقاء

يمكن لهذا المقال أن يصبح مدخلاً إلى مجتمع محلي، لا مجرد صفحة للقراءة. ووفق البيانات المنشورة فعلاً، يستطيع لقاء ربطه بـ:

  • فعاليات مثل جولة حكائية في المدينة العتيقة، أو زيارة ورشة، أو عرض سينمائي ونقاش، أو مسار للفن المعاصر، أو مشي صباحي في المنارة؛
  • مجموعات للقراءة في مراكش، والسينما، والتصوير باحترام، والحرفيين والمبدعين، ومشجعي الكوكب، والخرجات في الحوز؛
  • بودكاستات حول أصوات جامع الفنا، وتاريخ المدينة العتيقة، وحكاية حرفي، والإبداع المعاصر، وكرة القدم والذاكرة الشعبية؛
  • مجموعة محتوى «مراكش» تجمع المقالات والبورتريهات والبودكاستات والفعاليات والمبادرات في صفحة موضوعية واحدة؛
  • مجموعات مرتبطة مثل المدن الإمبراطورية، والصناعة التقليدية المغربية، والسينما في المغرب، والأطلس والحوز، وفناني المغرب، وكرة القدم المغربية.

ينبغي أن تعتمد هذه الأقسام على المحتوى والأنشطة المتاحة فعلاً على لقاء. وإذا لم تكن هناك فعالية منشورة، يستطيع القارئ اقتراح لقاء بسيط ودقيق: ستة أشخاص، ومكان سهل الوصول، ومدة معلنة، وموضوع مشترك. هكذا تبدأ المجتمعات في كثير من الأحيان.

مدينة نتعلم الإصغاء إليها

من السهل أن تبهرنا مراكش. تصنع معالمها وحدائقها وطاقتها صوراً قوية. لكن الارتباط الحقيقي يولد في مكان آخر: في حكاية نسمعها في ساحة، وفي وقت نمنحه لحركة يد، وفي حديث بعد فيلم، وفي ذكرى مباراة، أو في كأس شاي نتقاسمه من دون برنامج.

اكتشاف مراكش عبر اللقاءات لا يعني البحث عن مدينة «سرية» مزعومة. بل يعني النظر باهتمام أكبر إلى المدينة الظاهرة، والاعتراف بالأشخاص الذين يمنحونها الحياة. عندها تصبح المدينة الحمراء أقل شبهاً بعرض نستهلكه، وأكثر قرباً من حوار نشارك فيه بفضول وتواضع واحترام.


مراجع موثوقة

مراكشالمغربثقافةلقاءاتتراثصناعة-تقليدية
← العودة إلى المجلة