discover-morocco
المدينة العتيقة البيضاء في تطوان

تطوان... مدينة بيضاء تُروى من خلال اللقاءات

تحديث:

لا تكشف تطوان عن نفسها من النظرة الأولى. ينبغي أن تدخل مدينتها العتيقة، وأن تتبع زقاقاً من دون استعجال، وأن تصغي إلى صوت ينبعث من ورشة حرفي، ثم تخرج نحو الساحات المفتوحة وواجهات حي التوسعة الإسبانية، المعروف بـ«الإنسانشي». عندها تظهر المدينة كجسر حي بين عوالم متعددة: الريف والبحر الأبيض المتوسط، المغرب والأندلس، الذاكرة والإبداع المعاصر.

تُعرف تطوان بلقب الحمامة البيضاء، لكنها ليست مجرد وجهة للزيارة والتصوير. إنها مدينة تُكتشف عبر الناس. يصبح تراثها أكثر وضوحاً حين يشرح حرفي سرّ حركة تعلمها عبر السنين، أو يدلّك أحد السكان على باب لا ينتبه إليه العابر، أو يتقاسم أصدقاء كأس شاي في ساحة، أو يتحدث فنان شاب عن أثر مدرسة تطوان في الفن المغربي اليوم.

ما الذي يجعل تطوان مميزة؟

تتميز تطوان بحجم إنساني يسمح للزائر بالانتقال، خلال وقت قصير، من كثافة المدينة العتيقة إلى الشوارع الرحبة في المدينة الحديثة، مع الإحساس الدائم بقرب الجبال والبحر. غير أن خصوصيتها لا تختزل في البياض والأخضر اللذين يطبعان صورتها؛ بل تكمن أساساً في قدرتها على جمع ذاكرات متعددة من دون أن تتحول إلى متحف ساكن.

داخل الأسوار، تحكي الدكاكين الصغيرة، والأفران، والسقايات، والمساجد، والبيوت المبنية حول الأفنية، أسلوباً في العيش وتنظيم العلاقات. وفي حي الإنسانشي تشهد الشرفات والساحات والمحاور الواسعة على مرحلة أخرى من تاريخ العمران خلال فترة الحماية الإسبانية. وبين العالمين، تبدو ساحة الفدان والشوارع المحيطة بها نقطة وصل أكثر منها حداً فاصلاً.

هنا تكمن إحدى أجمل خصائص تطوان: التاريخ ليس محفوظاً خلف واجهة مغلقة، بل يسير إلى جانب الحياة اليومية.

الثقافة والتاريخ: مدينة بين ضفتين

كانت تطاوين القديمة، طوال قرون، نقطة اتصال مهمة بين داخل المغرب والأندلس. وبعد نهاية الحكم الإسلامي في الأندلس، ساهمت أسر مسلمة ويهودية قدمت من شبه الجزيرة الإيبيرية في إعادة بناء المدينة وتوسيعها. وما زال هذا الإرث حاضراً في العمارة، وتخطيط الأحياء، والموسيقى، والمطبخ، والحرف التقليدية.

صُنفت المدينة العتيقة في تطوان تراثاً عالمياً لدى اليونسكو سنة 1997. وهي من أصغر المدن العتيقة المغربية، لكنها من أكثرها اكتمالاً وحفاظاً على نسيجها الأصلي. أسوارها وأبوابها التاريخية السبعة وأحياؤها الحرفية وشبكة ممراتها تدعو إلى اكتشاف هادئ، لا إلى جولة سريعة هدفها جمع الصور.

يمكن أن تبدأ الجولة من باب العقلة، ثم تمر عبر الأسواق والورشات في اتجاه الغرسة الكبيرة وساحة الفدان. الأهم ليس عدّ المعالم، بل ملاحظة طريقة اشتغال المدينة: أين يلتقي الناس؟ كيف تتحرك السلع؟ ما الروائح القادمة من الأفران؟ وأي صوت يكشف عن حرفة ما زالت تمارس إلى اليوم؟

يساعد متحف باب العقلة على فهم فنون تطوان وتقاليدها، بينما يفتح المتحف الأثري نافذة على تاريخ أقدم لشمال المغرب، من خلال قطع مرتبطة بمواقع مثل تمودة وليكسوس والقصر الصغير. وتصبح الزيارة أغنى حين تتم مع صديق أو ضمن مجموعة صغيرة؛ لأن كل شخص يلاحظ تفصيلاً مختلفاً، ثم يتحول الاكتشاف إلى نقاش مشترك.

المهرجانات والفعاليات: المتوسط فضاء للحوار

تعيش تطوان على إيقاع تظاهرات تضع ضفتي البحر الأبيض المتوسط في حوار. ويعد مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط، الذي انطلق في ثمانينيات القرن الماضي، من أبرز هذه المواعيد. فهو يجمع أفلاماً ومخرجين وجمهوراً حول قصص قادمة من مجتمعات متوسطية مختلفة. وهذا ينسجم تماماً مع روح لقاء: نشاهد عملاً فنياً، ثم نصنع مساحة للحوار حوله.

كما تحتضن المدينة، بحسب المواسم والبرامج، فعاليات مرتبطة بآلة العود، والموسيقى الأندلسية، والأصوات النسائية، والفنون البصرية، وسينما الطلبة. وقد تتغير المواعيد والبرامج من دورة إلى أخرى؛ لذلك من الأفضل التأكد من الإعلانات الرسمية للمنظمين والمؤسسات الثقافية قبل التنقل.

ويمكن لنشاط على لقاء أن يحول حضور مهرجان إلى تجربة إنسانية متكاملة: لقاء قصير قبل العرض، زيارة جماعية لمعرض، نقاش بعد الفيلم أو الحفل، وربما حوار مع فنان أو فاعل ثقافي من المدينة. بهذه الطريقة يصبح البرنامج بداية للقاء، لا نهايته.

أماكن تجعل اللقاء طبيعياً

هناك أماكن تدعو الناس إلى التمهل والحديث من دون تكلف:

  • ساحة الفدان، عند نقطة التقاء المدينة العتيقة بالإنسانشي، وهي مكان مناسب لبدء جولة جماعية؛
  • ساحة مولاي المهدي، بما حولها من مقاه وحركة يومية، لمعايشة وجه تطوان الحديث؛
  • الغرسة الكبيرة والأسواق، لاكتشاف الأقمشة والمنتجات ومهارات الحرفيين؛
  • باب العقلة ومحيطه، كبوابة نحو تاريخ المدينة وفنونها؛
  • المتاحف والأروقة والفضاءات الثقافية، لأنها تمنح اللقاء موضوعاً واضحاً للنقاش؛
  • مرتيل والساحل المتوسطي القريب، لتمديد اليوم بنزهة أو وجبة مشتركة.

وفي الورشات، ينبغي أن يكون اللقاء مبنياً على الاحترام. من المهم الاستئذان قبل تصوير الأشخاص أو أعمالهم، وعدم إعاقة الممر أو مقاطعة الحرفي أثناء عمله. فالورشة مكان إنتاج قبل أن تكون مكاناً للزيارة. كما أن شراء قطعة مباشرة، حين يكون ذلك ممكناً، شكل عملي لدعم الصناعة التقليدية المحلية.

كتب وفنانون وشخصيات: تطوان مدرسة للنظر

تحتل تطوان مكانة خاصة في تاريخ الفن المغربي الحديث والمعاصر. فقد ساهمت دار الصنعة والمعهد الوطني للفنون الجميلة في نقل التقنيات والمعارف، وفي الوقت نفسه فتحا أبواباً جديدة للتجريب. وعبارة «مدرسة تطوان» لا تشير بالضرورة إلى أسلوب فني واحد، بل إلى بيئة كاملة تجمع التكوين والبحث والحوار بين التراث والحداثة.

ويبين فنانون معاصرون مرتبطون بالمدينة، مثل يونس رحمون وصفاء الرواس، كيف تستمر تطوان في إنتاج أعمال تنطلق من المكان والتجربة الشخصية، لكنها تخاطب العالم أيضاً. كما ترك الفنان والأستاذ فوزي العتيريس أثراً في أجيال من الطلبة وساهم في تعزيز الروح التجريبية داخل المشهد الفني المحلي.

ولقراءة تاريخ المدينة يمكن العودة إلى المؤرخ محمد داود، صاحب موسوعة تاريخ تطوان. تذكرنا أعماله بأن المدينة ليست مباني فقط، بل أرشيف وعائلات ومؤسسات ونقاشات وذاكرة تنتقل بين الأجيال.

ومن أجمل أفكار اللقاءات الثقافية تنظيم مسار بعنوان «نص، عمل فني، مكان»: قراءة صفحات قصيرة عن تطوان، ثم زيارة فضاء ثقافي، وبعدها جلسة حوار في مقهى. إنها طريقة بسيطة للجمع بين الكتاب والفن والتجربة الحية.

الرياضة والترفيه: اكتشاف الشمال بروح جماعية

كرة القدم جزء من الحياة الجماعية في تطوان. ويحمل المغرب أتلتيك تطوان، المعروف اختصاراً بـ«الماط»، هوية رياضية تتجاوز تسعين دقيقة من اللعب. مشاهدة مباراة في مقهى، أو الانضمام إلى نقاش بين المشجعين، أو تنظيم دوري صغير للهواة، كلها طرق لاكتشاف وجه آخر للمدينة.

كما تمنح المنطقة فرصاً لأنشطة أكثر هدوءاً: جولة مشياً بين المدينة العتيقة والإنسانشي، نزهة في المرتفعات القريبة، يوم على الساحل، السباحة أو رياضات الشاطئ في مرتيل ونواحيها. وعند تنظيم نشاط جماعي، يستحسن توضيح مستوى الصعوبة والمدة والمعدات المطلوبة ووسيلة التنقل مسبقاً.

ويصبح النشاط ترفيهاً بروح لقاء حين يكون مفتوحاً للوافدين الجدد: وتيرة تناسب المشاركين، نقطة تجمع واضحة، شخص يمكن التواصل معه، وقواعد بسيطة تحمي الاحترام والراحة للجميع.

نصائح عملية لاكتشاف تطوان

  • لا تستعجل. أفضل طريقة لفهم المدينة العتيقة هي المشي من دون برنامج مزدحم.
  • اختر نقطة تجمع واضحة. باب معروف أو ساحة كبيرة أسهل من عنوان داخل زقاق متشعب.
  • تحقق من المواعيد. قد تتغير أيام وساعات فتح المتاحف والورشات والفضاءات الثقافية، خصوصاً خلال الأعياد.
  • احترم المكان وسكانه. المدينة العتيقة حي سكني ومجال للعمل والعبادة، وليست خلفية للصور.
  • استأذن قبل التصوير. ويشمل ذلك الأشخاص والورشات والفضاءات الخاصة.
  • ارتد حذاء مريحاً. بعض الأزقة منحدرة أو غير مستوية.
  • لا تجمع المدينة والساحل في ساعات قليلة. خصص يوماً لتطوان ويوماً آخر لمرتيل أو المناطق المجاورة إن أمكن.
  • استعن بدليل محلي معتمد إذا كنت ترغب في فهم أعمق للتاريخ والعمارة والحرف.
  • اترك مساحة للمفاجأة. قد يصبح حديث عابر أو اقتراح من أحد السكان أجمل لحظة في اليوم.

واصل اكتشاف تطوان على لقاء

يمكن لهذا المقال أن يصبح مدخلاً إلى مجتمع محلي حي. وحسب المحتوى والأنشطة المنشورة، يستطيع لقاء أن يربطه بـ:

  • فعاليات مثل جولة في المدينة العتيقة، زيارة متحف، عرض سينمائي يتبعه نقاش، أو خرجة إلى مرتيل؛
  • مجموعات تهتم بثقافة تطوان، أو السينما المتوسطية، أو القراءة، أو التصوير، أو كرة القدم للهواة؛
  • بودكاستات حول الذاكرة الأندلسية، ومدرسة تطوان، والصناعة التقليدية، والسينما، وأصوات الشمال؛
  • مجموعة محتوى «تطوان» تجمع المقالات والبورتريهات والفعاليات والبودكاستات والمبادرات المحلية في صفحة واحدة؛
  • مجموعات مرتبطة مثل شمال المغرب، والمدن المتوسطية، والصناعة التقليدية المغربية، والسينما، وفناني المغرب.

يجب أن تأتي الأنشطة الظاهرة في هذا القسم من البيانات المنشورة فعلاً على لقاء. وإذا لم يكن هناك موعد متاح بعد، يمكن دعوة القارئ إلى اقتراح لقاء صغير بعدد محدود من المشاركين وهدف واضح.

مدينة نغادرها ومعنا حديث جديد

تستحق تطوان أن نتجاوز صورها الأكثر تداولاً. يجذب بياضها وأبوابها وأزقتها العين، لكن ثراءها الحقيقي يظهر في العلاقات بين الأمكنة والناس: حرفي وحركة يده، فيلم وجمهوره، عمل فني ومدرسته، ذاكرة أندلسية وشباب يواصل الإبداع.

زيارة تطوان ليست فقط مشاهدة مدينة جميلة في شمال المغرب. إنها دخول في حوار متوسطي بدأ منذ قرون، وربما العثور على طريقتنا الخاصة لمواصلته.


مراجع موثوقة

تطوانالمغربطنجة-تطوان-الحسيمةثقافةلقاءاتتراثصناعة-تقليدية
← العودة إلى المجلة