discover-morocco
كورنيش عين الذئاب والمحيط الأطلسي في الدار البيضاء

الدار البيضاء... مدينة تُروى بأصوات متعددة

تحديث:

لا تنتظر الدار البيضاء زائرها داخل مشهد مرتب بعناية. إنها تتحرك وتعمل وتبني وتتغير ثم تبدأ من جديد. قد تبدو في البداية صاخبة أو شاسعة أو صعبة الفهم. لكن حديثاً في مقهى، أو واجهة نكتشفها حين نرفع رؤوسنا، أو أغنية لناس الغيوان، أو نقاشاً حول كرة القدم، أو مشياً أمام المحيط، يمكن أن يمنح حركتها معنى مختلفاً.

لا تكشف المدينة البيضاء عن نفسها من خلال معلمة واحدة. تُروى بين المدينة القديمة وشوارع المركز، وبين الحبوس والحي المحمدي، وبين سوق شعبي ورواق فني وترامواي مزدحم والكورنيش في آخر النهار. ويضيف كل حي صوتاً جديداً إلى الحكاية.

هذه هي الدار البيضاء التي تريد مجلة لقاء تقديمها: ليست المدينة التي تخيلتها السينما، ولا العاصمة الاقتصادية للمغرب فقط، بل مدينة كبرى يعيش فيها الناس ويبدعون ويواجهون التناقضات، وتساعد اللقاءات داخلها على وصل عوالم تفصل بينها أحياناً بضع محطات فقط.

ما الذي يجعل الدار البيضاء مميزة؟

الدار البيضاء مدينة عبور واستقرار في الوقت نفسه. جاء إليها مغاربة من مختلف المناطق، وحملوا معهم لغاتهم وأطباقهم وموسيقاهم وحرفهم وطموحاتهم. وجذبت الموانئ والمقاولات والجامعات والمصانع والخدمات أجيالاً من العمال والطلبة والمبادرين. لذلك يحمل كثير من سكانها أكثر من حكاية عائلية وأكثر من انتماء جهوي، ويشتركون في تجربة المدينة الكبيرة.

وتأتي خصوصيتها أيضاً من اتساعها. فليس للدار البيضاء مركز واحد يدور حوله كل شيء، بل مراكز وإيقاعات وصور متعددة. لا يروي وسط المدينة وعمارات القرن العشرين الحكاية نفسها التي ترويها درب السلطان أو الحبوس أو عين الذئاب أو سيدي مومن أو الحي المحمدي. وللقاء المدينة ينبغي أن نكون مستعدين لتغيير زاوية النظر.

منحت الواجهات البيضاء المدينة أحد ألقابها، لكن ألوانها أكثر تنوعاً: ضوء المحيط الرمادي، وحجر مسجد الحسن الثاني، وألوان الأسواق، ولافتات المحلات، والجداريات، والخطوط الهندسية للعمارة الحديثة. الجمال هنا ليس استعراضياً دائماً؛ فقد نجده في درج عمارة، أو سينما قديمة، أو شرفة مستديرة، أو لافتة، أو تفصيل من الزليج، أو شجرة تصمد وسط الإسمنت.

وتجبرنا الدار البيضاء على النظر إلى المغرب المعاصر من دون تبسيط. فهي تجمع النجاح والصعوبات، والسرعة والانتظار، والإبداع والضغط الحضري. وروايتها بأمانة تعني منح مكان للأحلام، ولكن أيضاً للعمل اليومي والمسافات والفوارق والتضامن بين سكان الأحياء.

الثقافة والتاريخ: من ميناء أنفا إلى المدينة الحديثة

قبل المدينة الكبرى كانت أنفا، الحاضرة القديمة المطلة على المحيط. ثم أُعيد بناء المدينة حول مدينتها العتيقة ومينائها، وعرفت تحولاً حاسماً في بداية القرن العشرين. أدى التوسع الاقتصادي والعمراني إلى ظهور أحياء جديدة وشوارع واسعة وتراث معماري يجمع بين تأثيرات أوروبية وزخارف مغربية وفن الآرت ديكو والطراز الموريسكي الجديد والحداثة.

تسمح جولة متأنية في وسط المدينة، حول ساحة محمد الخامس وشارع محمد الخامس والأزقة المجاورة، بقراءة هذا التاريخ على الواجهات. ولا يتعلق الأمر بتسمية الطرز المعمارية فقط، بل بالسؤال عن الطريقة التي جعل بها السكان هذه المباني جزءاً من حياتهم، وكيف تغيرت محلاتها، وما الذي تحتفظ به دور السينما والفنادق والمقاهي والممرات القديمة من ذاكرة.

تذكرنا المدينة القديمة بدار بيضاء سبقت الشوارع الكبرى. وهي ما تزال فضاء للتجارة والسكن والحياة اليومية، وليست مشهداً جامداً. أما حي الحبوس، الذي تطور خلال القرن العشرين، فيجمع بين تخطيط عمراني منظم وأشكال معمارية مغربية. وتناسب أقواسه ومكتباته وأسواقه وساحاته الصغيرة جولة حول الكتاب أو الحرف أو تاريخ المدينة، بشرط ألا نختزله في التسوق.

وعلى حافة الأطلسي أصبح مسجد الحسن الثاني أحد أهم معالم الدار البيضاء. يجمع موقعه على المحيط وعمل عدد كبير من الصناع التقليديين بين العمارة والحرفة والروحانية. وتساعد الزيارة المؤطرة على فهم الخشب المنقوش والجبص والزليج والرخام والتدلاكت. لكن المكان يظل أولاً مسجداً للصلاة، لذلك ينبغي احترام القواعد والمواعيد والمصلين.

وتملك المدينة ذاكرة اجتماعية لا تقل أهمية. ترتبط درب السلطان بالتاريخ السياسي والمسرح وكرة القدم والثقافة الشعبية. أما الحي المحمدي، المرتبط بتاريخ الصناعة والطبقة العاملة، فقد أنجب تعبيرات فنية أثرت في المغرب كله. ولاكتشاف هذه الأحياء ينبغي تجاوز المرور السريع؛ فقد يساعد فاعل جمعوي أو ساكن أو باحث أو وسيط ثقافي على وضع كل حكاية في سياقها وتجنب الصور الجاهزة.

المهرجانات والفعاليات: الاستماع إلى مدينة تبدع

تعكس برمجة الدار البيضاء الثقافية تنوعها. يجمع مهرجان جازابلانكا بين الجاز والموسيقى المعاصرة وفنانين من آفاق متعددة. ويرتبط البولفار بالمشهد الحضري وبالفرق الشابة، وله دور مهم في تاريخ الروك والراب والميتال وموسيقى المزج في المغرب. كما احتضن مهرجان الدار البيضاء، بحسب كل دورة، حفلات وفنوناً مختلفة في فضاءات متعددة من المدينة.

وإلى جانب هذه المواعيد توجد معارض وعروض سينمائية ومسرحية ولقاءات أدبية وأسواق للمبدعين ومحاضرات ومباريات وفعاليات محلية. وتتيح فضاءات مثل فيلا الفنون ومتحف مؤسسة عبد الرحمن السلاوي والأروقة والمعاهد الثقافية والقاعات المستقلة التعرف إلى الفن المغربي الحديث والمعاصر.

تتغير التواريخ والأماكن والصيغ من دورة إلى أخرى، لذلك ينبغي الرجوع إلى البرامج الرسمية قبل التنقل أو نشر فعالية على لقاء. ويمنحنا هذا التحقق فرصة للنظر إلى ما هو أبعد من الاسم الأشهر؛ فقد يكون لقاء مع فرقة شابة، أو شرح لمعرض، أو نقاش بعد فيلم، أكثر لحظات البرنامج قيمة.

وعلى لقاء، يمكن للمهرجان أن يتحول إلى مجتمع صغير ومؤقت: تجمع قرب محطة ترامواي، وتقديم سريع للبرنامج، ومتابعة النشاط معاً، ثم نقاش في مكان هادئ. هنا لا تصبح الثقافة مجرد خلفية للقاء، بل تمنحه لغة مشتركة.

أماكن تجعل اللقاء طبيعياً

تقدم الدار البيضاء أماكن كثيرة، لكن نجاح اللقاء يرتبط بالتوقيت وحجم المجموعة والمسار المختار:

  • حديقة الجامعة العربية للمشي والقراءة والحديث وسط المدينة؛
  • السوق المركزي والشوارع المحيطة به لملاحظة إيقاع المركز والحديث عن التجارة والطعام والعمارة؛
  • حي الحبوس لمسار يجمع الكتب والحرف وتاريخ المدينة؛
  • ساحة الأمم المتحدة والمدينة القديمة كنقطة بداية لقراءة مراحل مختلفة من تاريخ الدار البيضاء؛
  • ساحة مسجد الحسن الثاني ومحيطه للنظر إلى المحيط واكتشاف الفنون التقليدية باحترام؛
  • كورنيش عين الذئاب في الصباح الباكر أو قبل الغروب للمشي أو الحديث أو نشاط رياضي؛
  • فيلا الفنون والمتاحف والأروقة والمكتبات لأنها تقدم للمجموعة موضوعاً مشتركاً منذ البداية؛
  • الحي المحمدي أو درب السلطان ضمن مسار يشرح السياق، ويفضل أن يقوده شخص مرتبط بالحي.

الدار البيضاء واسعة، وقد تستهلك حركة السير الوقت المخصص للقاء. لذلك من الأفضل أن يقتصر نشاط لقاء على منطقة واحدة أو محور ترامواي واحد. وغالباً ما يكون مسار قصير من محطتين، ينتهي بجلوس المجموعة في مكان هادئ، أنجح من محاولة عبور المدينة كلها.

الكتب والفنانون والشخصيات: أصوات الدار البيضاء

ربما يكون المدخل الفني الأقوى إلى الدار البيضاء جماعياً. فقد ظهرت مجموعة ناس الغيوان في الحي المحمدي، وجددت الأغنية المغربية بكلمات قريبة من القضايا الاجتماعية، وحضور قوي على الخشبة، وحوار مع روافد موسيقية متعددة. يمكن الاستماع إلى أغنية، ومناقشة معانيها من دون اقتطاعها من سياقها، ثم جمع ذكريات أجيال مختلفة لصناعة تاريخ شفوي للمدينة.

وتقدم الرواية زوايا أخرى. عاش محمد زفزاف في الدار البيضاء وجعل شوارعها وهوامشها وشخصياتها مجالاً أدبياً. تدعونا نصوصه إلى رؤية من تتركهم المدينة الكبيرة خارج الصورة غالباً. كما ارتبط محمد لفتاح بقوة بالدار البيضاء، واستكشف ليلها وهشاشتها وشخصياتها الخارجة عن المألوف بلغة خاصة. هذه الأعمال ليست أدلة سياحية، لكنها تساعد على فهم التوتر الإنساني داخل المدينة.

وساءلت السينما المغربية الدار البيضاء مراراً. تعرض أفلام نبيل عيوش وهشام العسري، من بين مخرجين آخرين، تناقضات المدينة ولغاتها وصراعاتها. ويمكن أن تتحول إلى ناد سينمائي على لقاء: نشاهد عملاً، ونحدد الحي أو الوسط الذي يصوره، ثم نسأل السكان عما يتعرفون إليه وما يعترضون عليه.

وترتبط المدينة كذلك بالعمارة والفنون البصرية. وبدلاً من الاكتفاء بأسماء مشهورة، يمكن بناء مسار بين المباني والملصقات والصورة الفوتوغرافية وفن الشارع والتصميم والمعارض. وقد يجعل لقاء مع مهندس أو مصور أو حارس عمارة المدينة أوضح من لائحة طويلة من التواريخ.

الرياضة والترفيه: شغف يرسم خريطة المدينة

كرة القدم في الدار البيضاء جغرافيا للمشاعر. يحمل نادي الرجاء الرياضي ونادي الوداد الرياضي تاريخاً وألواناً وأهازيج وانتماءات تتجاوز الملعب. ديربي الدار البيضاء حدث رياضي كبير وتعبير ثقافي شعبي في الوقت نفسه. وعند تناوله على لقاء ينبغي إعطاء الأولوية للسلامة والروح الرياضية والاحترام بين المشجعين، من دون تحويل التنافس إلى عداء.

يمكن للقاء أن يأخذ أشكالاً متعددة: الاستماع إلى مشجعين قدامى وهم يروون أول مباراة حضروها، أو مقارنة الأهازيج من دون تأجيج المنافسة، أو تنظيم دوري صغير للهواة، أو مشاهدة مباراة في مكان معلن بوضوح. وينبغي دائماً التحقق من الدخول إلى الملعب والمواعيد وتعليمات السلامة من المصادر الرسمية قبل النشاط.

ويفتح المحيط إمكانات أخرى. تستقبل عين الذئاب ممارسي المشي والجري والرياضات المائية. لكن السباحة وركوب الأمواج يتطلبان الانتباه إلى الطقس والتيارات والمراقبة ومستوى كل مشارك. كما تسمح الحدائق والملاعب القريبة والأندية بتنظيم الجري والدراجات وكرة السلة وكرة القدم ضمن مجموعات صغيرة.

وفي مدينة كثيفة قد يكون الترفيه مجرد إبطاء للإيقاع: مشي عند الفجر قرب المحيط، أو فطور مشترك، أو تصوير العمارة مع احترام الناس، أو قراءة جماعية في حديقة. جودة المجموعة أهم من الأداء.

نصائح عملية لاكتشاف الدار البيضاء

  • فكر حسب الأحياء. اجمع الأنشطة في منطقة واحدة بدلاً من عبور المدينة مرات متعددة.
  • استخدم الترامواي والباصواي عندما يناسبان المسار. راجع الخريطة والمواعيد واضطرابات الحركة في القنوات الرسمية يوم النشاط.
  • اترك وقتاً إضافياً. قد تطيل حركة السير والانتظار والمسافات مدة التنقل كثيراً.
  • حدد نقطة تجمع دقيقة. محطة بالاسم أو مدخل متحف أو علامة واضحة أفضل من شارع طويل.
  • استأذن قبل التصوير. في السوق أو الحي الشعبي أو مكان العمل، تأتي العلاقة قبل الصورة.
  • احترم أماكن العبادة. تحقق من شروط الزيارة، واختر لباساً مناسباً، ولا تعطل المصلين.
  • انتبه إلى المحيط. احترم العلامات والطقس وتعليمات المهنيين عند السباحة أو ممارسة الرياضات المائية.
  • تحقق من البرامج. قد تتغير مواعيد المهرجانات والمعارض والمباريات.
  • اختر مجموعة محدودة. يسهل تنقل ستة إلى عشرة أشخاص ويصبح الحوار بينهم أفضل.
  • اترك مساحة للمفاجأة. قد يتحول حديث عابر أو تفصيل معماري إلى أجمل لحظة في الجولة.

واصل اكتشاف الدار البيضاء على لقاء

يمكن لهذا المقال أن يصبح مدخلاً إلى مجتمع محلي حقيقي. ووفق المحتوى والأنشطة المنشورة فعلاً، يستطيع لقاء ربطه بـ:

  • فعاليات مثل جولة في عمارة الآرت ديكو، أو مسار بين الحبوس والمكتبات، أو جلسة استماع إلى ناس الغيوان، أو زيارة معرض، أو مشي صباحي في عين الذئاب، أو لقاء قبل مباراة؛
  • مجموعات للقراءة في الدار البيضاء، والعمارة والذاكرة الحضرية، والسينما المغربية، وموسيقى المدينة، والتصوير باحترام، والرياضة للهواة، أو التشجيع في إطار ودي؛
  • بودكاستات حول أنفا والميناء، وأصوات الحي المحمدي، وعمارة المركز، وبورتريهات المبدعين، وديربي الدار البيضاء، أو حكايات القادمين الجدد؛
  • مجموعة محتوى «الدار البيضاء» تجمع المقالات والبودكاستات والبورتريهات والفعاليات والمجموعات والمبادرات في صفحة موضوعية واحدة؛
  • مجموعات مرتبطة مثل عمارة المغرب، والموسيقى المغربية، وكرة القدم المغربية، والمدن الأطلسية، والسينما المغربية، وذاكرة الأحياء.

ينبغي أن تُبنى هذه الأقسام من البيانات المتاحة على لقاء، لا من روابط وهمية. وإذا لم يوجد نشاط بعد، يمكن للمقال اقتراح بداية بسيطة: ثمانية أشخاص يلتقون قرب محطة، ويمشون ساعة حول موضوع واحد، ثم يخصصون نصف ساعة للنقاش. وهكذا يصبح اللقاء أول محتوى في المجموعة المستقبلية.

مدينة لا تمنح نفسها دفعة واحدة

لا تحاول الدار البيضاء دائماً أن تبهر من اللحظة الأولى. إنها تحتاج إلى وقت ورحلات متعددة وحقنا في تغيير الرأي. قد ترهقنا سرعتها ثم تهدئنا أمام المحيط. وقد تبدو مجهولة، ثم تصبح حميمة بفضل شارع أو مقهى أو أغنية أو إنسان.

اكتشافها عبر اللقاءات يعني الاعتراف بأن لا حي ولا معلمة ولا فيلم يستطيع الكلام باسم المدينة كلها. الدار البيضاء حوار مفتوح بين الذاكرة الشعبية والطموح الحديث والإبداع والحياة اليومية. لا ننهي حكايتها؛ بل نضيف إليها صوتاً.


مراجع موثوقة

الدار-البيضاءالمغربثقافةلقاءاتعمارةموسيقى
← العودة إلى المجلة