
فاس، المدينة التي تنقل المعرفة... حكاية علم وحِرف ولقاءات
تُبهر فاس زائرها بما حافظت عليه، لكنها تؤثر فيه أكثر بما تواصل نقله من جيل إلى آخر. فالمعرفة فيها لا تعيش داخل الكتب والمدارس والخزانات وحدها، بل تنتقل أيضاً من يد إلى يد: في ورشة للزليج، وأمام منسج، وحول صينية من النحاس، وفي مطبخ عائلي، وعبر نغمة أندلسية، أو في حديث أحد السكان عن حيه.
تُقدَّم فاس أحياناً كمتاهة توقفت في الماضي، غير أن هذه الصورة تغفل الأهم. فاس مدينة يسكنها الناس ويدرسون ويعملون ويعبرونها كل يوم. مدينتها العتيقة مجال تراثي استثنائي، لكنها كذلك نسيج من البيوت والمتاجر والمساجد والمدارس والأفران والورشات وعلاقات الجوار. ولا تنتهي فاس عند الأسوار؛ ففاس الجديد والمدينة الحديثة والأحياء الجامعية والمناطق المحيطة تروي تجارب أجيال أخرى وطرقاً مختلفة للانتماء إلى المدينة.
اكتشاف فاس من خلال اللقاءات يعني الانتقال من المعلمة إلى الإنسان الذي يمنحها معناها الحي. يعني الإصغاء قبل التصوير، وطرح سؤال قبل الشراء، وفهم أن الثقافة هنا ليست إرثاً للفرجة فقط، بل ممارسة يومية نتقاسمها ونشارك في تجديدها.
ما الذي يجعل فاس مميزة؟
تجمع فاس أزمنة متعددة داخل مدينة واحدة. في فاس البالي تتبع الأزقة الضيقة منطقاً قديماً يناسب المشي والحرف وحياة القرب. وفي فاس الجديد، التي تأسست في العصر المريني، يفتح القصر الملكي والملاح والمحاور الواسعة صفحة أخرى من التاريخ. أما المدينة الحديثة فتقدم عبر مقاهيها ومؤسساتها الثقافية ومتاجرها وفضاءاتها العامة وجهاً معاصراً لفاس.
ولا يتعلق الأمر بمواجهة بسيطة بين التقليد والحداثة. قد يعمل حرفي بتقنية موروثة ويعرض منتوجه عبر الإنترنت، وقد تدرس شابة في جامعة حديثة وتنتمي في الوقت نفسه إلى عائلة ارتبطت بالمدينة العتيقة منذ أجيال. ويمكن لموسيقي شاب أن يتعلم الطرب الأندلسي ثم يمنحه توزيعاً جديداً. خصوصية فاس تأتي من استمرار الحوار بين هذه الأزمنة.
وهي أيضاً مدينة للأبواب وما وراءها. قد يخفي باب بسيط صحن دار مضيئاً، وقد يقود زقاق مزدحم إلى فندق قديم أو مدرسة أو سقاية هادئة. وقد تختزن ورشة صغيرة سنوات طويلة من التعلم. لذلك تدعونا فاس إلى التمهل، لأن أثمن ما فيها لا يظهر دائماً من النظرة الأولى.
تحتل المدينة كذلك مكانة رمزية كبيرة في الذاكرة المغربية. فهي مرتبطة بالعلم والثقافة الدينية وفن العيش الحضري والموسيقى الأندلسية والمطبخ والصناعة التقليدية. لكن هذه المكانة لا ينبغي أن تحصر فاس في صورة نخبوية. ثروتها الحقيقية تظهر عندما نصل المؤسسات العريقة بالعمال والنساء والشباب والجمعيات والأحياء التي تواصل صنع حياة المدينة.
الثقافة والتاريخ: مدينة العلم والعمل
بدأ تشكل فاس الحضرية في أواخر القرن الثامن وبداية القرن التاسع، مع النواتين اللتين ستكوِّنان فاس البالي. ونمت المدينة بفضل الهجرات والتبادل وموقعها داخل شبكات ربطت المغرب بالأندلس والمغرب الكبير وإفريقيا جنوب الصحراء والمشرق. لذلك تلتقي في عمارتها ومعارفها وموسيقاها وحرفها روافد أندلسية وقيروانية وأمازيغية وعربية ويهودية وإفريقية.
أُدرجت المدينة العتيقة لفاس ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو سنة 1981. وتبرز المنظمة اتساع نسيجها الحضري وحفاظه على قدر كبير من تماسكه واستمرار عدد من وظائفه التاريخية. لكن الاعتراف العالمي لا يعني غياب التحديات. فترميم المباني، والحفاظ على المهن، وتحسين ظروف العيش، وتمكين السكان من البقاء في قلب المدينة، قضايا لا يمكن فصل بعضها عن بعض.
في قلب التاريخ العلمي توجد جامعة القرويين. ينسب التقليد تأسيسها في القرن التاسع إلى فاطمة الفهرية. وأدت القرويين عبر القرون دوراً كبيراً في تدريس الفقه واللغة والعلوم الدينية وغيرها من المعارف. ولا تتمثل قيمة المكان في البحث عن رقم قياسي أو صورة يصعب التقاطها، بل في فهم ثقافة جعلت التعلم والتعليم وشرح النص مسؤولية ومكانة اجتماعية.
وتكشف مدرستا البوعنانية والعطارين والفنادق والسقايات والبيوت كيف اجتمع التعليم والتجارة والضيافة والحياة الدينية داخل المجال الحضري. أما عَدْوتا الأندلس والقرويين فتذكران بأن هوية فاس تكونت عبر موجات متلاحقة من الوافدين والتبادل.
في فاس الجديد يفتح الملاح والمقبرة اليهودية باباً على جزء أساسي من التاريخ المغربي. لا ينبغي محو الذاكرة اليهودية لفاس أو تقديمها كحكاية منفصلة وغريبة؛ فهي جزء من تاريخ المدينة وتجارتها ولغاتها وموسيقاها وعائلاتها وهجراتها. وقد تتحول زيارة محترمة إلى حوار حول التعايش والرحيل والآثار المادية والذاكرة المشتركة.
ويُقرأ تاريخ فاس أيضاً من خلال العمل. اشتهرت دور الدباغة، لكنها ليست سوى جزء من عالم واسع يشمل الجلد والنحاس والخشب المنقوش والجبس والتطريز والنسيج وتجليد الكتب والخزف والزليج. وراء كل قطعة مادة وسلسلة إنتاج وتعلم ودخل، وأحياناً ظروف عمل صعبة. لذلك فإن لقاء الصناعة التقليدية يعني الاهتمام بالإنسان وقيمة عمله بقدر الاهتمام بالمنتج النهائي.
المهرجانات والفعاليات: حين تصبح فاس فضاءً للحوار
يعد مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة أشهر مواعيد المدينة على المستوى الدولي. فهو يجمع تقاليد موسيقية وروحية من المغرب ومن مناطق مختلفة من العالم، داخل فضاءات تاريخية وعلى منصات مفتوحة. ولا تكمن قوته في الحفلات وحدها؛ فالندوات واللقاءات والاكتشافات تستطيع أن تجعل الموسيقى لغة للحوار.
تحتضن فاس أيضاً مواعيد تهتم بـالثقافة الصوفية والطرب الأندلسي والملحون والتراث والكتاب والسينما والمسرح والفنون التشكيلية ومنتجات الجهة. وإلى جانب المهرجانات الكبرى، تستحق برامج الجامعات والمعاهد الثقافية والجمعيات ودور الشباب الاهتمام. فقد يمنح لقاء صغير مع باحث أو معلم حرفي أو فرقة محلية مجالاً أوسع للحوار من عرض كبير.
تتغير التواريخ والأماكن وشروط الدخول من دورة إلى أخرى، لذلك يجب الرجوع إلى المنظمين والبرامج الرسمية قبل نشر خبر أو تنظيم نشاط. ويمكن أثناء البحث اكتشاف فعاليات خارج المنصات المعروفة: ورشات وقراءات وجولات موضوعاتية وإقامات فنية ونقاشات ومبادرات أحياء.
وعلى لقاء يمكن تحويل الحفل إلى تجربة من ثلاث مراحل: استماع قصير قبل الموعد، ثم حضور العرض، وبعده نقاش يتقاسم فيه المشاركون ما سمعوه. ويمكن لورشة أن تربط الموسيقى بالمدينة، فيتعرف المشاركون إلى مقام أو آلة ويلتقون موسيقياً، ثم يكتشفون الفضاءات التي انتقل فيها هذا التراث عبر الأجيال.
أماكن تجعل اللقاء طبيعياً
تحتاج فاس إلى نقاط تجمع دقيقة. ففي المدينة العتيقة لا تكفي عبارة «قرب السوق». ويمكن اختيار أبواب وحدائق وساحات يسهل التعرف إليها:
- باب بوجلود، كنقطة واضحة لبدء اكتشاف فاس البالي؛
- ساحة بوجلود، للتجمع قبل جولة أو نشاط ثقافي؛
- جنان السبيل، للمشي والحديث والاستراحة بين فاس البالي وفاس الجديد؛
- ساحة الصفارين، حيث يجعل صوت النحاس إيقاع العمل الحرفي محسوساً؛
- النجارين وفنادقها القديمة، للحديث عن الخشب والمهن والماء وتنظيم التجارة؛
- حي الأندلس، لجولة حول الهجرات والتأثيرات الثقافية؛
- فاس الجديد والملاح، لاكتشاف تاريخ حضري آخر والذاكرة اليهودية المغربية؛
- مقاهي ومكتبات وفضاءات المدينة الحديثة، للقراءة والنقاش واللقاءات الأولى؛
- ورشة شريكة، بعد موافقة الحرفي ومع مجموعة صغيرة وشروط واضحة.
في مدينة تستقبل عدداً كبيراً من الزوار، تتوقف جودة اللقاء على سلوك المجموعة. لا ينبغي إغلاق زقاق أو تصوير وجه دون إذن أو دخول ورشة كما لو كانت ديكوراً. فالشرح يحتاج إلى وقت وله قيمة. وإذا وافق حرفي على تقديم مهنته، ينبغي الاتفاق مسبقاً على تعويض أو صيغة عادلة، دون تحويل معرفته إلى تنشيط مجاني.
وقد يكفي لقاء من خمسة أشخاص وأربع محطات وسؤال واحد: «كيف تنتقل المعرفة داخل فاس؟». في كل محطة تلاحظ المجموعة شكلاً من أشكال النقل: نصاً أو حركة يدوية أو وصفة أو نغمة، ثم تجلس في مقهى لتقاسم ما تعلمته.
كتب وفنانون وشخصيات: فاس من خلال أصواتها
وُلدت فاطمة المرنيسي في فاس سنة 1940، وحملت فكراً مغربياً منفتحاً على العالم. كانت عالمة اجتماع وكاتبة وصوتاً مهماً في قضايا النساء والسلطة والدين والحداثة، كما أنصتت إلى نساء غابت أصواتهن عن كثير من الروايات الرسمية. تفتح قراءة كتابها نساء على أجنحة الحلم في فاس نقاشاً حول الحدود الظاهرة والخفية داخل البيت والمدينة والمجتمع.
وُلد الطاهر بنجلون في فاس سنة 1944، وأصبح من أكثر الكتاب المغاربة حضوراً على المستوى الدولي. تتناول رواياته وقصائده ومقالاته الهوية والهجرة والذاكرة والعنصرية والعنف والتناقضات الاجتماعية. وتذكرنا طفولته الفاسية ومساره بين طنجة والرباط وفرنسا بأن مدينة الميلاد تستطيع مواصلة الحضور في العمل الأدبي حتى حين يكتب صاحبها من مكان آخر.
وتضم ذاكرة فاس علماء ومؤرخين وشعراء من عصور مختلفة. أقام ابن خلدون فيها ودرّس، كما ارتبط بها الحسن الوزان المعروف بليون الإفريقي الذي نشأ وتعلم فيها. تضع هذه المسارات فاس داخل حركة أوسع بين إفريقيا والمتوسط والعالم الإسلامي.
وفي الموسيقى تعد المدينة مركزاً مهماً للطرب العربي الأندلسي والسماع والملحون. ولا يقوم هذا التراث على الأسماء المعروفة فقط، بل تحمله الأجواق والمعلمون والتلاميذ والعائلات والجمعيات التي تتدرب وتنقل الرصيد. ويمثل عبد الوهاب الدكالي، المولود في فاس، صوتاً كبيراً من أصوات الأغنية المغربية الحديثة.
أما مبدعو فاس اليوم فهم أيضاً الخزافات والخزافون والمجلدات والمطرزات والنحاسون والمصممون والمصورون ومغنو الراب والمخرجون والكتاب الشباب. يستطيع لقاء تقديم بورتريهات لهم تنطلق من أسئلة ملموسة: ما الذي ما زال يُتعلم على يد معلم؟ ما الذي تغير؟ وكيف يمكن العيش من الفن دون اختزال فاس في علامة سياحية؟
الرياضة والترفيه: عيش المدينة في حاضرها
تحتل كرة القدم مكانة مهمة في الحياة المحلية. يحمل المغرب الرياضي الفاسي، المعروف بالماس، تاريخاً يتجاوز النتائج: ألواناً وذكريات مباريات وتنقلاً بين الأجيال وارتباطاً بالمدينة. ويمكن للقاء حول الماص أن يجمع مشجعين من أعمار مختلفة ليروا الانتصارات والرحلات والملاعب واللاعبين وما يعنيه الانتماء إلى النادي.
ولفاس حضور في رياضات أخرى، منها كرة السلة وألعاب القوى والأنشطة التي تمارس في الأندية والجامعات والأحياء. وقد يكون نشاط صغير أكثر تعبيراً عن دور الرياضة من تظاهرة كبيرة: مشي حضري، أو حصة تعريفية مع جمعية، أو مباراة ودية، أو حوار مع مربية رياضية حول بناء الروابط.
يبقى المشي من أفضل طرق فهم المدينة، بشرط تكييف المسافة والإيقاع. فالمدينة العتيقة تضم منحدرات وأرضيات غير مستوية وممرات مزدحمة، بينما يوفر جنان السبيل فضاءً أكثر هدوءاً. وتمنح المرتفعات القريبة من قبور المرينيين رؤية شاملة، لكن الوصول والعودة والضوء يجب أن تؤخذ في الحسبان، خصوصاً في نهاية اليوم.
وتتيح جهة فاس مكناس خرجات نحو مجالات فلاحية وغابوية وحموية. لكن ينبغي تقديمها كرحلات مستقلة ذات نقل ومدة ومستوى واضح، لا كامتداد مرتجل لزيارة المدينة العتيقة.
نصائح عملية لاكتشاف فاس
- قسّم المدينة إلى مناطق. لا يمكن اكتشاف فاس البالي وفاس الجديد والملاح والمدينة الحديثة جيداً في جولة واحدة سريعة.
- حدد باباً أو ساحة واضحة كنقطة تجمع. قد يصعب العثور على عنوان داخل المدينة العتيقة.
- نزّل الخريطة، لكن لا تعتمد عليها كلياً. بعض الممرات تتغير، وقد لا يعمل تحديد الموقع بدقة تحت الأزقة المغطاة.
- استعن بمرشد مرخص في أول زيارة معمقة. يساعد على فهم العادات وتحديد المسار وتجنب الجولات التجارية المفروضة.
- ارتد حذاء مريحاً. المسافات والمنحدرات والأرضيات غير المستوية تتعب أكثر مما يبدو.
- كيّف وقت الجولة مع الفصل. قد يكون الصيف شديد الحرارة، بينما تكون الصباحات والفضاءات الداخلية باردة في الشتاء.
- تحقق من مواعيد المعالم والمتاحف. قد تتغير بسبب الأشغال أو المناسبات الدينية أو البرامج الثقافية.
- استأذن قبل التصوير. احترم السكان والأطفال والحرفيين وأماكن العبادة وفضاءات العمل.
- زر دور الدباغة باحترام. إنها أماكن إنتاج شاق وليست مشهداً ملوناً فقط، ولا تُصوَّر وجوه العمال دون موافقتهم.
- احتفظ ببعض النقود. لا يتوفر الدفع الإلكتروني دائماً للمصاريف الصغيرة أو في بعض الورشات.
- اتفق على السعر قبل الخدمة. يجب أن يقوم الإرشاد أو النقل أو العرض أو الشراء على اتفاق واضح ومحترم.
- احترم الأماكن الدينية. بعض الأجزاء غير مفتوحة للزوار غير المسلمين، ويجب اتباع التعليمات دون إلحاح.
- انتبه إلى سهولة الولوج. تضم أزقة كثيرة درجات ومنحدرات وممرات ضيقة؛ ويجب توضيح ذلك بصراحة قبل أي نشاط جماعي.
واصل اكتشاف فاس على لقاء
يمكن لهذا المقال أن يكون بداية مجموعة محتوى «فاس» تصل التراث بالسكان والإبداع المعاصر. وحسب البيانات المنشورة فعلاً على المنصة، يستطيع لقاء تقديم:
- فعاليات مثل جولة «المدينة التي تنقل المعرفة»، واكتشاف حرفة، وقراءة لفاطمة المرنيسي، واستماع إلى الموسيقى الأندلسية، وزيارة فاس الجديد، أو لقاء حول الماص؛
- مجموعات لسكان فاس وأصدقائها، والطلبة، والتراث الحي، والأدب المغربي، والطرب الأندلسي، والصناعة التقليدية والتصميم، والتصوير المحترم، ومشجعي الماص؛
- بودكاستات عن القرويين وثقافة العلم، وأصوات النساء من خلال المرنيسي، وحكاية معلم حرفي، والذاكرة اليهودية لفاس، وشباب المدينة، والموسيقى الروحية، وكرة القدم الشعبية؛
- مجموعة «فاس» التي تجمع المقالات والبورتريهات والبودكاستات والفعاليات والمجموعات والمسارات في صفحة موضوعية واحدة؛
- مجموعات مرتبطة مثل المدن الإمبراطورية، وفاس مكناس، والكتاب المغاربة، والتراث اليهودي المغربي، والصناعة التقليدية، والموسيقى الروحية، والمطبخ المغربي، وكرة القدم المغربية؛
- بورتريهات محلية لمجلدة كتب، أو نحاس، أو أستاذة، أو بائع كتب، أو موسيقية، أو مرممة تراث، أو مربي رياضي، أو جمعية حي.
يجب أن تُولَّد بطاقات الفعاليات والمجموعات والبودكاستات من المحتوى المتوفر فعلاً. وإذا لم يوجد نشاط، يمكن دعوة القارئ إلى اقتراح لقاء صغير ودقيق: ثمانية أشخاص لقراءة مقطع للمرنيسي ومناقشة الحدود داخل المدينة، أو ستة مشاركين للقاء حرفي وافق مسبقاً على الموضوع والمدة وشروط التبادل.
ولا ينبغي لمجموعة المحتوى أن تدعو الزوار إلى فاس فقط. يمكنها أيضاً أن تمنح السكان مساحة ليرووا مدينتهم بأنفسهم ويصححوا الصور النمطية ويوثقوا المهن ويُظهروا مبادرات الشباب. يصبح اللقاء بذلك أداة تحريرية تنتج علاقات وحكايات أكثر عدلاً.
مدينة لا تتوقف عن التعليم
قد تبدو فاس مهيبة بعمرها ومكانتها وكثافة مدينتها العتيقة، لكنها تصبح قريبة عندما نتوقف عن محاولة رؤية كل شيء. حديث مع بائعة كتب، أو دقائق أمام يد حرفي، أو نغمة نصغي إليها، أو حوار بين جيلين، تكشف المدينة أكثر مما تفعله لائحة معالم نمر عليها بسرعة.
لعل درس فاس الكبير هو أن التراث لا يعيش لأنه قديم، بل لأن شخصاً ما ما زال مستعداً لنقله، ولأن شخصاً آخر يمنحه الوقت ليتلقاه. بين العلم والحرفة، والذاكرة والإبداع، والمدينة العتيقة والأحياء المعاصرة، تواصل فاس تعليم زائرها — شرط أن يقترب منها باعتبارها لقاءً لا ديكوراً.